مرحباً يا    بياناتي الشخصية      تسجيل الدخول        
image1
قائمة الأقسام
أخبر صديق عن موقعنا


حدائق النثر > قصص قصيرة > مبروك الحمّار

مبروك الحمّار

مبروك الحمّار


يحكى أنه في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، قبل أن يكتشف الإنسان قوانين حساب السنين والأيام. أتت على البادية الواسعة الشاسعة سنوات متوالية من القحط والجفاف، انحبست خلالها الأمطار التي تشكل في كل العصور مصدر الحياة للإنسان والحيوان على السواء.. وكادت الأرض ومن عليها أن تحترق.
تهاوت أعمدة الخيام، وما عادت تضرم نار ولا ينفخ تحت الدلال. جفّت ضروع الأغنام، وفُقد الغذاء والكساء، وصارت الأطفال والمواشي تموت بالعشرات من الجوع والعطش، وباتت جميع القبائل عرضة للهلاك.
كان يعيش في إحدى القبائل ولد لم يتجاوز العاشرة من عمره اسمه مبروك. قرر دون أن يوجّهه أحد أن يضرب في الأرض، علّه ينجو مع بعض أغنام ساقها أمامه من موسم الهلاك الرهيب، وراح يسير على غير هدى عبر الأراضي القاحلة الجرداء الموحشة، تأكل الرمال الحاّرة قدميه، وتكاد أشعة الشمس اللاهبة أن تقتل ما تبّقى من أمل عنده في النجاة..
لكّنه صمّم بإرادة حديدية على مواصلة السير، مستعيناً بالأشواك وعقد الشيح المتطايرة طعاماً له ولأغنامه القليلة وحتى يتّم الله أمره.
ما يكاد ينتهي من صعود مرتفع حتى يقابله آخر، إلى أن أطّل أخيراً على سهل واسع، تتلاطم الرمال الصفراء في أرجائه كأمواج بحر عظيم، وقد شاهد على البعد، في آخر الفراغ المفتوح عن آخره، شجرة عملاقة تحتل قمّة مرتفع، تنتصب خضراء، تلون الأفق الأصفر بلونها الحميم.
شّد الخطى إليها والأمل يحدوه، وما أن وصل حتى راح يخصف بعصاه من ورق الشجرة العملاقة ويأكل منها بنهم هو وأغنامه، ثم يرتمي تحت ظلالها الوارفة.
كانت من الضخامة بحيث تعجز أذرع أربعة من الرجال الأشداء الإحاطة بجذعها، وبعد حين راح يغط في نوم عميق.
وربما رأى في منامه ما رأى، فقد هّب واقفاً وهو ينتفض لمجرد خاطر ورد إلى رأسه الصغير..!
دار حول الشجرة، ينظر بإعجاب ويتساءل كيف تقوم بهذا العنفوان دون ماء يمدّها بأسباب الحياة..؟
وفي اللحظة نفسها التي خطرت على باله هذه الخاطرة، أخذ يحفر بيديه وعصاه حول جذعها بنشاط يحدوه الأمل وحلم مدهش جميل يداعب خياله.
بعد ساعات مضنية من العمل المرهق أحّس مبروك أن الرمل يزداد رطوبة بين يديه شيئاً فشيئاً، ولم يلبث بعد حين أن شعر بشيء مبتلٍّ ينساب من بين أصابعه ببطء.
ثم فجأة اندفع الماء قوياً عارماً كأنه نافورة عظيمة.. تدفق في كل اتجاه منحدراً إلى السهل الشاسع ليستقر في أخفض مستوىً فيه، ويرتفع منسوبه قليلاً قليلاً ليشكّل بعد وقت قصير بحيرة عظيمة واسعة تطفح بماء عذب زلال.
وبسرعة مذهلة تناهت أخبار ولادة البحيرة الجديدة من العدم إلى أسماع القبائل المنتشرة في أرجاء البادية، فتقاطرت إليها، وأقامت حولها ببشرها ودوابها لتصبح وطنهم الجديد.
وما هي إلا فترة قصيرة من عمر الزمن حتى غدت المنطقة ما حول البحيرة أشبه بحاضرة عظيمة. أقيمت فيها البيوت، ومهّدت الطرقات، وافتتحت الدكاكين والخانات والمحلاّت الملوّنة، وعمرت الأسواق واكتظّت بالناس من كل حدب وصوب، ولم تلبث أن أصبحت مدينة عظيمة ليس كمثلها في ذلك الزمان.
اتفق الناس على رجل نصّبوه ملكاً.
كان جليلاً عادلاً مهيباً حكيماً ذا رأي سديد، أميناً صادقاً نظيف اليد والنفس والطوية، أقام الحكم بالعدل بين الناس، واهتمّ بشؤون المدينة وتحسين صورتها ومرافقها..
راقب الموازين والأسواق ونظافة الخانات وحسن استقبال الوافدين، حتى لقّب بالملك العادل.
ومع مرور الأيام صارت الواحة.. وهو الاسم الذي أطلق عليها محط القوافل في حلّها وترحالها. وأكثر العلامات وضوحاً لساكني البادية. ومركز الاتجاهات ومحورها.
وقد وفد إلى المدينة مع من وفد من الصنّاع والتجار، رجل من أمهر المتخصصّين في رعاية الدواب التي كانت الوسيلة الوحيدة في ذلك الزمان للنقل والترحال ونقل الأحمال، والكرّ والفرّ في أوان القتال والنزال..
افتتح هذا الرجل في الواحة إسطبلاً كبيراً وباشر فيه عمله. واستخدم مبروك للعمل معه في هذا المجال، وقد عشق الفتى مهنته الجديدة وأتقنها في وقت قصير بمختلف فنونها على يد معلّمه القدير، ثم استأذنه وافتتح لحسابه خاناً خصّصه لمعالجة أمور الحمير دون سواها.. ومع مرور الأيام حقّق لنفسه سمعة طيبة، واستحق عن جدارة أن يطلق على خانه "ملك المراكيب"..
كان مبروك يختار الحمار المنهك والحرون والكسول والهزيل، يشتريه بثمن بخس، يحمله إلى إسطبله يسقيه الماء البارد الزلال فتشتّد لثتّه، يطعمه القليل من الحبوب والخضار فتستقيم بطنه، وينتصب ظهره، يحدوه حدوات رقيقة فتقوى قوائمه وتحلو مشيته، يقّص الزائد من شعر حول عينيه وفمه ويصلح من انسياب ذيله وقد يصفّفه مضفوراً أو سائباً بما يتناسب مع الشكل العام للحمار ثم يمسّد أذنيه فتستقيم، ويحّك أسنانه بتركيبة طيبة من الأعشاب الخاصّة فتحلو وتلتمع،. ويلبسه بردعة مزركشة بألوان خلاّبة، وقد يضيف إليها بعض الأجراس الرقيقة، ويعلّمه إطاعة الأوامر وتنفيذ ما يطلب منه فيغدو بعد حين من خيرة الحمير شكلاُ وحركةً وتأدية خدمات..
فإذا ما قال له كذا... مضى الحمار بخطى رشيقة بلا حرن ولا جدال، ومتى قال كذا... توقّف بالحال ولو ضرب تحت قوائمه زلزال، وكل ذلك بغنج ودلال.
ولحظة تقع عليه عين الزبون، يشتريه في الحال دون كلمة فصال، ليتشدق بخيلاء بين الناس بأنه اشترى حماره من إسطبل مبروك الحمّار.. ملك المراكيب..
وهكذا توالت الأيام على هذه الحال من الاستقرار والازدهار، وسكّان الواحة جميعاً يعيشون في سعادة وبركة وهناء.
وفي هذه الزحمة لم يعد من أحد حتى ولا مبروك نفسه يذكر أو يتذكّر متى كانت البداية عطشى وكيف.. وكان من المتوّقع رغم أن ذلك لم يخطر على بال الناس ولا على بال الملك العادل أن يطمع الطامعون في المدينة العظيمة، فملؤوها بالعيون والجواسيس يتسقّطون أخبارها ويختبرون مواطن الضعف فيها، ولم يكن صعباً أن يكتشفوا أن المدينة رغم عظمها ليس فيها جيشاً يحميها.
في ليلة حزينة وعلى حين غرّة هاجمت جحافل الغزاة الواحة الوادعة..
عاثوا فيها نهباً وتقتيلاً، وسرعان ما سقطت بين أيديهم.. لكن الملك العادل استطاع مع بعض أتباعه الهرب واللجوء من جديد إلى البادية الواسعة الشاسعة المترامية الأطراف..
توّج قائد الغزاة ملكاً على عرش الواحة، وكان همّه الأول ترسيخ سلطانه، فأقام الأسوار المنيعة والحدود المحروسة على مدار اليوم، وجعل للمدينة أبواباً تغلق عند المساء، كما عمل على تنظيم الجيش وتقويته، ومراقبة الناس وتسجيل حركاتهم وسكناتهم ومعاقبة كل من يشكّ في أمره بأقسى العقوبات وأشدّها حتى يكون عبرة لسواه، وفرض الضرائب الظالمة.
وحين استقر به المقام اختار لنفسه مكاناً إلى جانب الشجرة القديمة العملاقة، بنى فيه قصره العظيم.. ولم يترك في المدينة من أحد يجرؤ على الاعتراض أو المقاومة.
ولمّا كانت خيول الغزاة ودوابهم بحاجة للرعاية والعناية، فقد أرسل الملك الجديد منادياً في المدينة يجمع بين يديه ذوي الاختصاص ليختار من بينهم أفضلهم يحمّله هذه المسؤولية العظيمة.
وكان مبروك يمثّل بلا منازع الشخص الأنسب لهذه المهمّة، كيف لا وهو ملك المراكيب..
قرّر الملك استخدامه في الحال، وأشار إلى وزيره ليقوم بتسليمه الإسطبلات الملكية في التو واللحظة ليجد مبروك نفسه أمام عمل جديد لم يخطر له على بال كمسؤول أول ووحيد عن الإسطبلات بكل ما فيها من دواب للجند والعسكر..
فانخرط في عمله الجديد بإخلاص وتفان، وراح يتعامل مع الخيول كما كان يتعامل مع الحمير غائباً عنه أنها وإن كانت تتشابه بالذيل والأذن والحافر، فهي لا تلتقي معها في أمور كثيرة أخرى.
صار إذا شذّب ذيل الحصان نفر واغتاظ، وإذا ألبسه ما يحلو للحمير نفضه بخيلاء، وإذا حداه كما تحدى الحمير ثقلت حوافره وصار يسير وكأن به عرج، وإذا هذّب ذؤابته أصابه حوَل، وإذا حكّ أسنانه انفتح فمه وأعياه أقل مسير، إذا ألبسه المشدّات ترهلت فخذاه، وإذا أطعمه الحبوب أو الخضار أصابه تلبّك شديد، وإذا سقاه الماء الزلال اصطكّت أسنانه واهترأت لثّته.
وعلى الرغم من كل ذلك فهي تبدو خيول نظيفة جميلة، أنيقة مطهّمة.. لكنّها في الحقيقة فاقدة القدرة والجاهزية، وما من أحد يدرك ذلك حتى ولا مبروك نفسه.
انغمس ملك الغزاة بعد أن اطمأن إلى حالة الأمن في الواحة في اللهو والمجون، واثقاً أن مملكته العظيمة المنيعة أقوى من الثوّار الذين اجتمعوا حول الملك العادل في أقاصي البادية وقويت شوكتهم. ولم يخطر على باله أن حفنة قليلة من الرجال تجرؤ في يوم من الأيام على الاقتراب من أسوار المدينة المحصّنة.
لكّن الثوار بقيادة الملك العادل استطاعوا الوصول بالعزم والإصرار إلى مشارف الواحة..
وكان من بعض عادات أهل الحروب في ذلك الزمان، أن تبدأ الحرب بمبارزة بين أعتى الفرسان من الجانبين، وغالباً ما تتقرر نتيجة المعركة قبل تلاحم الجيشين.. وهكذا كان..
اجتمعت الفرسان، وحان موعد النزال.. فأرسل قائد الغزاة ثلاثة من خيرة فرسانه تقدّموا إلى الساحة على خيولهم الخليعة، بخطوات كأنها الرقص. قابلهم ثلاثة من فرسان الملك العادل فوق خيول قويّة تعرف ما عليها أن تفعل في مثل هذه الحال.
دارت دورات عديدة حول الخيول المدلّلة قبل أن تبدأ معركة قصيرة وحاسمة جندلت فرسان الغزاة الثلاثة في طرفة عين وجعلت قائد الغزاة المشرف على المعركة من فوق الأسوار يقف واجماً مذهولاً مما يرى بعينيه..
تتابعت معارك ذلك اليوم المشهود. وقبل أن ينتصف النهار قتل من فرسان الغزاة أكثر من مائة تحت سيوف الثوّار، وأدرك قائدهم أن الدوائر تدور عليه، وأن الهزيمة الماحقة تحققت لا محالة، ولم يبق أمامه أي فرصة للاختيار..
وفي اللحظة نفسها أتاه صوت الملك العادل هادراً كشلال، يدعوه على عجل إلى النزال. وقبل أن يجيب النداء استدعى مبروك الذي وقف بين يديه بانكسار..
نظر قائد الغزاة طويلاً في وجهه ثم قال بصوت ملؤه الأسى والحسرة:
ـ فعلتها يا حمّار وخذلتنا، ولم نكن نحسب لك أدنى حساب، جعلت من فرساننا الأبطال دمىً تتحرك على خيول لا أعرف كيف استطعت أن تتلفها على هذا الشكل المهين، ثم ضربتنا الضربة القاصمة..!
لم يفهم مبروك كلمة مما قيل، وراح ينقل ناظريه ببلاهة وحيرة بين القائد الغاضب وجنده.
وقبل أن ينطق بحرف واحد، عاجله قائد الغزاة بضربة من سيفه الصارم فصلت رأسه عن جسده، وألقى بالرأس المقطوع من فوق الأسوار، ثم خرج للنزال وهو يعرف المصير الذي ينتظره.
وقد خذله الحصان أيضاً فتلقّاه الملك العادل بضربة نجلاء قتلته في الحال.
عادت الواحة إلى سابق عهدها بحماية جيش قوي هذه المرة، وعاد لها تألقها وازدهارها.
وبعد أن استفاق الناس من فرحة الانتصار العظيم والتحرر من الكابوس اللعين، تذكّروا وذكروا مبروك بكثير من الإعجاب، وكيف ضحى بنفسه في سبيل حرية المدينة وسكّانها..
أمر الملك العادل إقامة ضريح جليل وسط حديقة القصر، تخليداً لذكرى بطل ضحى بالغالي والعزيز في سبيل حرية وطنه.
ولم ينتبه أحد إلى نظرة ذات مغزى تبادلها الملك العادل مع وزيره الحكيم وهما يضعان إكليل الغار فوق شاهدة القبر الكبير الذي صار مع مرور الأيام مزاراً لكل القبائل، وارتبط اسمه وذكره بحكايات وقصص ما تزال تروى حتى اليوم تقليداً وتخليداً لرمز عظيم.
ما زال الضريح قائماً على قمّة المرتفع، مشرفاً وحده على بقايا البيوت التي هجرت بعد أن جفّت مياه النبع العظيم، مؤشّراً لذكرى مدينة الواحة التي كانت عامرة ذات يوم بعيد، ولم يخطر على بال أحد في ذلك الوقت أن تصير إلى زوال وفناء.
أمّا الشجرة العملاقة، فلم يذكرها أحد، ولم يفطن إلى وجودها أحد، رغم أنها ما زالت تقف بشموخ وعناد وإصرار.
خضراء الأوراق، رطبة الأغصان، وارفة الظلال.
لا يحيط جذعها الضخم أذرع أربعة من الرجال الأشداء..!

ـ ـ ـ
  مشاهدة المقالة بصيغة PDF طباعة المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة السابقة كان يوم من سرق الكيس الأصفـر المقالة السابقة
تقييم 1.00/5
تقييم: 1.0/5 (1 صوت)
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع



الأعمال المطبوعة}>
صفحة جديدة 1

من متواجد الآن}>
5 متواجد (5 في الناشر)

عضو: 0
زائر: 5

المزيد