ماذا أقول لك يا غسّان
ماذا أقول لك يا غسّان.!؟
عدنان كنفاني
عدنان كنفاني
شمس تموّز تشرق اليوم، في الذكرى الثامنة والثلاثين على استشهادك النبيل، تُسقطُ هجيرَها على ضمائرِ المتوضّعين شؤماً على قرارِ المتعبين.
تحملني خيوطُ أشعتِها إلى ذلك الفناء، أوصالُ جسدٍ مقطّع تنثرُ عطرها على فسحة المكان، الوجه وحده بقيَ سليماً، ونصفُ صدرٍ وذراعٍ تمسك نبض القلب حتى لا يحلّق هو الآخر أثراً يتفتّحُ على برعم شجرة في ذلك الوادي.
يتوسّدُ صدري.!
ترسمُ على طرفيّ شفتيك ابتسامة الرضا، ونصفَ إغفاءة أخيرة على ذلك الحلم الذي ما فارق صبوّة عمرك..
صبيّةٌ بعمر الربيع لاكتها صليات البارود، فهتكت بياضها، جسدٌ متفحّم، ما زال ينهمرُ شظايا على ضمائر الراجفين.
كلّ المعابر مقفلة، الشوارعُ مسكونةٌ بالحواجز الحصينة، والجدرانُ الإسمنتية تواصل الارتفاع.
منعوني عنك يا غسان.!
حتى في لقاءات الموت تعبثُ بنا السبل، فترمينا في منافي شتاتِ مهاجرَ موحشة، ما أشرقت عليها شمس، ولا سطع فيها قمر، ، تحت ظلال الخطيئة المسجّاة على شعارات السادة، نعلن بؤسَنا، ونتعتّب فسحاتِ النور، كي نُبقي على ذلك الفتيل المشعّ.
لماذا يقتلعون كل الدروب الواصلة بيننا وبين الشهداء.!؟
إمرأة تتعتّب الرصيف القصيّ، تحتضنُ صرّةً تفوح منها رائحة الريف، خريرُ ماء ينسفح على "درج عمارة" شاهقة.
أين أنت يا أم سعد، أيتها الـ أمي الطاهرة.؟
الصغير يتنكّب "مرتينة خاله.!" لكنه لا يجد الطريق للعبور.
"السرير رقم 12" يئن وجعاً..
والساعة المعلّقة على كثبان الصحراء تشدو رتابتها على شقوة الباحثين عن ثغرة نجاة.
ندق "جدران الخزان" يا غسّان، لكن الصدى يرتدّ إلينا محفوفاً بمفردات غريبة.
"المسامير المثلّثة" تشظّت من زواريب المخيمات، وتعشّقت صدورَ الموصومين بتهمةِ النضال.
أصواتٌ باهتة، وخرقٌ فقيرةٌ مكتوبٌ عليها (عودَة عن عودة تفرق.!)
آه يا غسان..
كيف ألتقيك في تموّز هذا وقد نصبوا بيني وبينك ألف قيدٍ مفخخ، وشرّعوا أبوابَ السجون ليعتقلوا صوتي.
ماذا أقول لك.!
تقزّم الوطن، وابتعدت "عكا" عن مرامي الصوت.!
الحواجز تفصل بين الرجل وامرأته، والبواباتُ مسكونة بالرعب
صار العهرُ ولاءً، والخيانةُ وجهةَ نظر، والغريبُ الجاني هو الضحية.
صرنا قبيلةً من المتسولين والإرهابيين والمتخلفين والرجعيين والجاهلين.
المقاومة جريمة، والأقرباء يعانقون جزارينا ويقدمون بالغ الانحناءات إلى من أذاقونا ويذيقوننا في كل يوم، صنوفاً من الهوان.
اللصوص هم السادة، والجوعى هم السفاحين.
صرنا قبائلَ وعشائر، فئات وولايات، حكومات ومجالس، دساتيرَ وقوانين، شعاراتٍ وتبادلات، لكنه، وكلما كبُرت المناصب والصفات، يتقزّم الوطنُ أكثر، حتى صار إلى فسحةٍ لم تعد تكفي لارتداد الأنفاس، وعلى أنقاضه يقيمون سلطاتِهم وحكوماتهم ودولهم..
ماذا أقول لك يا غسّان.
نشرب من حنفيات مفاتيحها هناك.
هم من يملك مصارف المجارير..
الكهرباء تأتمر بأمرهم، والشيكل هو الفيصل في التعامل.
مغاليق الأبواب بأيديهم..
ومقننات الطعام بحساباتهم.
والقتل جارٍ على قدم وساق..
أما الأرض فقد تقطّعت أوصالُها إلى فتافيت أصغرَ من سعة الأكتفاف..
ألم تقل بأنكم "الجيل الذي يعد الأجيال القادمة للنصر.!"
كنا.. -هل تذكر- نمرّ من جانب دارِ سينما انتهت للتوّ من عرض فيلم رخيصٍ تافه، قلتَ لي وأنت تشير إلى مجموعةٍ من الشباب الماجنين، يقهقهونَ فرحاً لإثارةٍ مشبوهة:
ـ ويلٌ لنا من هؤلاء.!
الآن.. هؤلاء يا غسّان، الذين كانوا يتسكعون في شوارع مدنِ الشتات، يمارسون المجون على أخوة لهم، ويتسلّطون، وهم يملؤون أحشاءَهم بمال السُحت، على وسائل عيشِ الناس، وهم أسيادُ القرار.
الحبُّ الذي كثيراً ما تألق في كتاباتِك أصبح على مقاسات المصالح، والفسادُ سمّةُ الكبار.
أما أهل الشتات.. فما زالوا دونَ هويّة، يبحثون لهم عن مكان ما في ركن ما، من هذا العالم.
ماذا أقول لك يا غسان وتموّز لم يعد ذلك الـ تموّز إلا ما تعلّق على رايةِ مقاومة في جنوب لبنان، وفي العراق، وفي نبض فلسطين، في أفئدة المتقلّبين على جمر الصديق، ونارِ العدو.
تعالَ يا أخي.
هات معك صفوفَ الشهداء، والجرحى، والأسرى، واليتامى، والثكالى، والمتعبين، والمقهورين، والمعذبين، الذين أغمضوا عُيونَهم وجِراحَهم وقهرَهم وبؤسَهم وانتظارَهم على الحلم الكبير.
تعالوا جميعاً، شدوّا فينا عزيمةَ الأمل، فكم نحن بحاجةٍ إليكم.
ـ ـ ـ
| تنقل بين المقالات | |
لوحات رسم غسان 3
|
|
|
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
|




